عطر الوردة

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
20/01/2010 06:00 AM
GMT



    لا خوف من الضجيج الذي بدأ يقترب رويدا رويدا من نوافذ البيت ، إلا الخوف الذي شعرت به المرأة عندما فاجأها زوجها بصيحة جبارة خرقت سمعها كالرمح :
- ما هذا ؟ انظري الى النافذة.
    لم تسعفها قوتها ابدا على الوقوف بله الالتفات الى النافذة. فتهاوت على الأريكة وأخذ منها الهلع أي مأخذ ووجدت نفسها عاجزة عن الحركة أو النظر فغطت أذنيها بكفيها وقالت بصوت واه:
- ما لذي يحدث ؟!
    قال:
- ألم أقل لك لا تضعي هذا العطر مرة أخرى؟
    قالت وهي لا تزال تغطي أذنيها بكفها:
- لم أضع عطرا. إنه موجود في كل مكان ويتغلغل بين طيات الملابس والهواء، فماذا أفعل؟
    قال:
- ألم تقرئي التحذيرات المعلقة في الشوارع والمتاجر والواجهات.
قالت:
- قلت لك لم أضعه.. لم أضعه.
قال:
- فماذا جرى إذن؟ لم أر شيئا من هذا من قبل. لن يأخذ الأمر وقتا طويلاً حتى يكسر النوافذ.
قالت:
- سأتصل بأمي.
- وماذا يمكنها أن تفعل؟ اتصلي بالشرطة. إنه قريب جداً ولا يغادر زجاج النافذة.
    ضوء الشمس الذي بدأ يخلي مكانه لظلام المساء، جعل الغرفة تبدو كوجه أسود له عين واحدة هي كوة التلفزيون المشتعل. وقف الزوج أمام تلك العين المضيئة وقال:
- سأسحب الستائر وأتأكد من إغلاق النوافذ بإحكام.
- إسمعْ أصوات الأطفال الخائفين.
- لا أسمع صوت طفل.
- هناك طفل يصرخ.
- لعله يلعب.
- لا أرى في الظلام .أين هاتفي؟
- إنه فوق التلفزيون.
ودون أن تنهض من مكانها وبحركة واحدة بينها وبين التلفزيون، مدت يدها وأخذت الهاتف:
- أسرعي يا أمي، ولا تأتي وإلا معك الشرطة.
- نعم، إنه هنا مرة أخرى تعالي فور إقفال الخط.
- كلا لم أفعل. هيا تعالي.
    عاد زوجها الى مكانه وتحركت النوافذ بصوت مسموع فقفز فجأة وقال:
- انهضي.. تحرّكي، لن يمر ما فعلناه دون عقاب. هيا نذهب إلى الممر.
أطرافها لم تقو على الحركة برغم صياح زوجها عليها بالنهوض ومغادرة غرفة الجلوس فسحبها من يدها وكادت أن تصرخ وهي تقول:
- لا أرى شيئا في الظلام أنا خائفة.
- لا تخافي تعالي وتمددي على أرض الممر. لا تقفي فيتضوع عطرك في الهواء. سأجعل رائحة الدخان تغطي على العطر.
- ماذا ستفعل؟ البيت مقفل والستائر مقفلة، وأنت تريد أن تشعل النار.
- هذه هي التعليمات، الدخان هو الحل. هيا اخرجي زجاجات العطر والصوابين وكل قوارير العطور، كوّميها في الحمام ثم غطيها بلحاف سميك لتكتمي رائحتها بينما أشعل انا النارفي مكان اخر لينطلق الدخان.
- لا أستطيع الرؤية في الظلام.
- الستائر مقفلة. يمكنك استعمال شمعة.
- اختفى رحيق الأرض، لم يعد ثمة عطر الا في القوارير.
- ليست القوارير هي السبب، بل الهواء الأسود المسموم.
- يبدو أنه لن يبتعد. هل سيبتعد؟
- سيبتعد بعد أن أشعل النار.
- هيا أسرع فالأزيز يشتد ستنكسر النوافذ.
- ززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززززز.
    آذار شهر الربيع وتفتح القداح والأزهار.. وأسراب النحل التي خُلقت للتجول بين الحدائق، والتنقل من زهرة إلى اخرى لامتصاص الرحيق، راحت تنطح زجاجات نوافذ البيت، وأزيزها يملأ الفضاء، متجهة لمصدر العطر الوحيد، الذي لم يعد ينطلق من مروج الأرض وشجيرات الورود، بل من القوارير التي يحفظها البشر داخل البيوت.